مؤتمر دولي بالقاهرة: إعادة البناء النفسي والتربوي للشخصية المسلمة طريق نهضة الأمة

الخميس، 5 أبريل 2012


أنهى المؤتمر الدولي الأول لمركز البحوث والدراسات الإسلامية بكلية دار العلوم بالتعاون مع مركز الدراسات المعرفية بالقاهرة أعماله مساء الأربعاء 4 من أبريل الجاري، والذي جاء بعنوان "بناء الشخصية المسلمة في القرن الحادي والعشرين"، وشارك فيه لفيف من العلماء والباحثين في الدراسات الإسلامية من مصر والسودان والمملكة العربية السعودية.
وعبْر أكثر من 40 ورقة بحثية حاول العلماء والباحثين والأكاديميين وضع الخطوت الرئيسية لإعادة بناء الشخصية المسلمة في القرن الحادي والعشرين، والذي بدأ مطلعه بثورات الربيع العربي وصعود الإسلاميين إلى سدة الحكم، وهذا ما حتم على المهتمين بإعادة بناء الشخصية المسلمة من نواحي كثيرة منها الإيماني والعقدي والروحاني الرباني والاجتماعي النفسي والاقتصادي السياسي.
غياب الرؤية الإسلامية
وتناول المؤتمر الكثير من ورقات البحث التي حاولت عن قرب معرفة أسباب غياب الرؤية الإسلامية عن الشخصية الإسلامية المعاصرة من خلال بحث الدكتور مختار عطا الله مدير مركز البحوث والدراسات الإسلامية، محاولا البحث عن أسباب الضعف الذي دب في الشخصية المسلمة وعوامل الخلل الكامنة وراء تراجع دورها في الحياة.
واعتبر الدكتور عطا الله أن غياب الرؤية الإسلامية عن الشخصية المسلمة أوقعها في حالة من تراجع الفعل الحضاري واستلاب الهوية وفقدان الثقة، وسيطرة ثقافة استهلاك المعرفة وغيرها من المظاهر السلبية التي تحتاج إلى معالجة جادة من المعنيين، موضحا أن وضوح التصور الكلي المتكامل للإسلام لدى هذه الشخصية من شأنه أن يؤسس لحلول واضحة المعالم، وأن الأدوار المتكاملة للأدلة العقلية والنقلية في البناء الديني الإسلامي يساعد على تكوين شخصية قادرة على الفعل الإيجابي والإسهام في البناء الحضاري للأمة.
وبحثا عن أزمة بناء الشخصية المسلمة المعاصرة وأثرها في المجتمع أشار الدكتور صلاح عبد التواب سعداوي أستاذ الفقه وأصوله بكلية العلوم الإسلامية بجامعة المدينة العالمية إلى أن الشخصية المسلمة لها دورها المعروف في بناء الحضارات وأثرها الظاهر في تطور المجتمعات، لأنها شخصية بنيت في المقام الأول على أسس ربانية ونشأت تحت مظلة تشريعات إلهية، فكانت جامعة مانعة لعوامل بناء شخصية قادرة على قيادة الأمم والسعي بها في طرق الخير والسعادة.
وألمح سعداوي إلى أن الشخصية المسلمة خسرت كثيرا عندما تخلت طواعية أو رغما عنها عن إسلامها وقلدت الأخرين فضاعت هويتها، وتراجعت ريادتها، ثم باتت تعاني من الضعف.
سبب الضعف.. غياب الشورى
وبسبب اختلال ميزان العدل وغياب الشورى أصيبت الأمة الإسلامية بالتفكك والضعف والهوان، ما أدى إلى وجود أزمة في الشخصية المسلمة، هذا ما قاله الدكتور عبد الحي القاسم عبد المؤمن عمر الأستاذ بكلية الشريعة والقانون بجامعة الإمام المهدي بالسودان، مضيفا أن حال الأمة أدى إلى أن يطمع فيها الأعداء، وهو ما دفعنا للبحث عن الأسباب، فغياب الشورى مثلا كان نتيجته التسلط، وغياب العدل ولد الغبن، فحدث صراع بين الحاكم والرعية ثم انتقل هذا الصراع إلى شرائح المجتمع المختلفة فغاب انصهار المجتمع.
وطالب بأن ترسي الأمة الإسلامية قيم العدل والشورى حسب الاستطاعة حتى تعود إلى عهدها الزاهر، وذلك لا يأتي إلا بالإيمان والعمل الصالح كما يقول.
معتبرا أن اختلال ميزان العدل وغياب مبدأ الشورى من أهم الأسباب التي عطلت نهضة المسلمين.
بين الغلو والوسطية
ومن جانبه أكد الدكتور إسماعيل عبد الرحمن أستاذ أصول الفقه المساعد بجامعة الأزهر أن عصرنا الحاضر شهد خروجا من بعض المسلمين عن فهم الوسطية مما سبب خللا في الشخصية المسلمة المعاصرة، معتبرا أن ترك الوسطية والأخذ بأحد طرفيهتا من غلو وتشدد أو تضييع وتسيب عد خطر على الأمة الإسلامية منذ عقود.
وطالب بضرورة تفعيل الوسطية من خلال إعداد مشروع لإحياء الوسطية والاعتدال تتولاه الجهات المعنية، والتذكير الدائم بمنزلة الوسطية في الإسلام، وكشف وفضح فكر الغلاه والمتشددين وبيان حكم الشرع فيهم، وتدريس مادة الثقافة الإسلامية بالجامعات، والتوسع في التعليم المفتوح بجامعة الأزهر والمراكز الثقافية التابعة لوزارة الأوقاف.  
 واتفقت الدكتورة مي الحربي الأكاديمية السعودية مع كلام الدكتور إسماعيل، مشيره إلى أن القرآن الكريم حذر من الغلو باعتباره مرادف مرفوض في الإسلام بجميع صوره وأشكاله سواء على مستوى الأفراد أو الجماعات، لما له من أضرار ونتائج سيئة تنسحب على كل جانب من جوانب الحياة في المجتمعات الإنسانية عموما.
وأشار الدكتور أحمد المهدي عبد الحليم الأستاذ بجامعة الأزهر إلى أن تجديد الفكر الإسلامي وإعادة البناء النفسي والتربوي للشخصية المسلمة لن يأتي إلا من خلال ترسيخ ثوابت الفكر الإسلامي وملاءمة فروعه ومتغيراته وفقا لسياقات الحياة المتطورة السريعة وغير المسبوقة وغير المتلاحقة في جوانبها المختلفة وفي سائر مجالات العلوم.
وألقى الضوء على الأسباب التي أدت لغياب الدور الحضاري للشخصية المسلمة سواء في أوطانها أو في الإسهام في مسيرة الحضارة الإنسانية، وذلك على الرغم من جسامة وخطورة التحديات التي تواجهها في الفكر والسياسة والاقتصاد.
وأكد على ضرورة تركيز الاهتمام بالشخصية المسلمة في الوطن العربي لأنه ليست في طاقة فرد واحد مهما طالت قامته العلمية أن يتحدث عن الشخصية المسلمة بإطلاق يغطي الشخصية المسلمة في البلاد غير العربية، مشيرا إلى أن رسالة الإنسان عمران الكون تحقيقا لمقاصد الشريعة، وأن الشخصية المسلمة بدأت مع بداية الدعوة وتكوين مجتمع مسلم يخالف بصورة جلية المجتمع الجاهلي والحضارة الإسلامية نشأت من خلال قضاء الدعوة الإسلامية على المعتقدات التي كانت في العصر الجاهلي، وأكد أن الحضارة الإسلامية وطدت ثقلها بدين إسلامي عالمي حفظه الله.
فقه الكفايات.. ضرورة
واعتبر الدكتور محمد السيد الجليند الأستاذ بكلية دار العلوم جامعة القاهرة أن النتائج التي تعانيها الأمة من تخلف وتراجع، سببها البعد عن فقه الكفايات، الذي لم يتغافل عنه رسولنا الكريم سيدنا محمد علية الصلاة والسلام في مكة حيث ركز على بناء الفرد من ناحية العقيدة السليمة، والفرائض الإسلامية التي نزلت على الإنسان لم تنزل إلا بعد إعداد المسلم إعدادا كاملا لتحملها والعمل بها، إن لم يكن الفرد المسلم قد أعد لتحمل هذه الفروض لما نجح في تحمل الأمانات السماوية.
وأضاف: لقد دعا القرآن الكريم إلى الاهتمام بفروض العين ووضح العقاب في إهمالها، ورغم ذلك لم يوضح عقاب تارك فروض الكفاية، معتبرا أن إهمال فروض الكفايات سبب رئيسي فيما تمر به الأمة الإسلامية الآن من تخلف وتراجع، فالمسلمون يأكلون مما يزرع غيرهم، ويلبسون مما يصنع غيرهم.
وأوضح أن فروض الكفايات ترتبط بما يسمى "السنن الكونية" وتخلف الأمم مرتبط أيضا بهذه السنن، والغريب أن غير المسلمين اكتشف سنن الكون وجني ثمراتها، أما المسلمين فوقفوا محلك سر، ولازالوا واقفين في مكانهم مهملين الأخذ بفروض الكفايات.
ومن جانبه أكد الدكتور عبد المنعم شحاته أستاذ ورئيس قسم علم النفس والعميد السابق لجامعة المنوفية أن ما تشهده الحقبة الراهنة من صراع متباين المستويات بدءا من معاناة فرد ما من صراع داخلي بين طموحات يتطلع لتحقيقها وإمكانات لا تسمح له بذلك، مرورا بحالات اختلاف محتدم في الأهداف ووسائل تحقيقها والمشاعر الناتجة عنه، وبين فردين زوجين أو أب وابن أو زملاء عمل...إلخ، ومرورا بتعارض المصالح بين مؤسستين، وانتهاء بأزمات بين الدول تتفاقم شدتها حتى تحول دون العيش الآمن لمواطنيهم.
 مشيرا إلى أن إدارة الصراع من العوامل الإيجابية التي يجب الاهتمام بها داخل الفرد أو فيما بينه وبين الآخرين، وهذا ما يقدمه علم النفس للأطراف المتصارعة أفرادا وجماعات حتي يتجاوزا صراعهم فعلم النفس هو علم تتعاظم أهميته التطبيقية في مساعدة الأفراد على تجاوز مشكلاتهم.

المصدر :موقع علامات اون لاين

0 التعليقات:

إرسال تعليق

شاركنا برأيك ولا تمر مرور الكرام